مسح المحامي قطرات عرق عن جبينه. كان متوتراً بشكل غير طبيعي. سيدة دينا الأوراق التي تركها المرحوم طارق معقدة قليلاً.
رفعت دينا حاجبها. معقدة كيف؟ كل شيء مسجل باسمه، وبالتالي يؤول إليّ بصفتي الوريثة الوحيدة وزوجته. أليس كذلك؟
فتح المحامي الملف الجلدي الأسود ببطء شديد. وصوته بدأ يرتجف. بناءً على الوصية المسجلة سرياً قبل شهرين.
اعتدلتُ في جلستي. قبل شهرين؟
أكمل المحامي يقول المرحوم أنا طارق عبد الرحمن، أقر وأعترف وأنا بكامل قواي العقلية أن كل ما أملكه، من عقارات، وشركات، وأرصدة بنكية هو في الحقيقة واجهة.
عقدت دينا حاجبيها بصدمة. واجهة؟ واجهة لمَن؟!
تجاهلها المحامي، وابتلع ريقه بصعوبة وهو يقرأ السطر التالي، وعيناه تتهربان من النظر إلينا. وأقر بأنني قمت بتحويل كافة الأصول، والملكيات، وحتى عقد زواجي كضمانات بنكية لسداد ديون جهة أخرى.
ساد صمت مميت في الغرفة. حتى أنا لم أفهم ما يعنيه.
صرخت دينا وهي تضرب الطاولة ديون ماذا؟! من هذه الجهة؟!رفع المحامي عينيه أخيراً لكنه لم ينظر إلى دينا. نظر إليّ أنا. كانت عيناه مليئتين بالرعب المطلق.يكمل المرحوم وبما أنني لم أستطع السداد فإن كل ما أملكه، بما في ذلك حياتي التي قد تنتهي قريباً بشكل يبدو طبيعياً هو ثمن تأخير الدفع.
تجمد الدم في عروقي. لم يمت بنوبة قلبية. ولم أستوعب حجم الكارثة الحقيقية، إلا عندما قلب المحامي الصفحة، وقرأ السطر الأخير الذي جعل دينا تنهار على الكرسي بلا حراك وأترك شقيقتي ليلى بصفتها الكفيل الضامن الوحيد في العقد لتتحمل العواقب معهم.
وفي تلك اللحظة بالضبط سمعنا صوت خطوات ثقيلة، هادئة، تتوقف خلف باب الغرفة المغلق. تجمدت الأنفاس داخل الغرفة. الخطوات خلف الباب كانت بطيئة ثابتة وكأن صاحبها لا يخشى أحداً.
دينا أمسكت بطرف الطاولة بيد مرتجفة. أستاذ عصام مين برا؟
لكن المحامي لم يجب. كان شاحب الوجه، ينظر إلى الباب وكأنه يرى كابوساً يعرفه جيداً.
ثم انفتح الباب بهدوء. دخل رجل طويل، يرتدي بدلة سوداء خالية من أي تفصيل لافت، لكن حضوره وحده كان كافياً ليخنق الهواء في المكان. خلفه وقف رجلان آخران، ضخما البنية، بوجوه جامدة.
أغلق الرجل الباب بنفسه. ثم قال بصوت منخفض الأستاذة ليلى عبد الرحمن؟
وقفت ببطء. شعرت بأن ساقيّ بالكاد تحملانني. نعم أنا.
أخرج ملفاً بنياً سميكاً ووضعه أمامي على الطاولة. أنا كريم السيوفي. ممثل عن الجهة المذكورة في العقد.
شهقت دينا أي جهة؟! ماذا يحدث هنا؟!
نظر إليها للحظة قصيرة فقط، ثم أعاد نظره إليّ. شقيقكِ اقترض قبل ثلاث سنوات مبلغاً كبيراً لتغطية خسائر الشركة بعد انهيار صفقة دبي. كان يظن أنه سيتمكن من السداد سريعاً لكنه فشل.
هززت رأسي بعدم تصديق. مستحيل طارق لم يخبرني بأي خسائر.
ابتسم كريم بسخرية باردة. لأنكِ كنتِ الحل الأخير دائماً. كل مرة كان يسقط، كنتِ أنتِ من تنقذينه دون أن تعرفي حتى.
فتح الملف. كانت بداخله صور تحويلات عقود. وأخيراً وثيقة تحمل توقيعي أنا.
شعرت بقلبي يهبط. هذا هذا توقيعي فعلاً
قال المحامي عصام بصوت خافت عقد الكفالة.
صرخت أنا لم أوقع على أي كفالة!
رد كريم بهدوء مرعب وقعتِ. قبل سنة. ضمن أوراق إعادة هيكلة الشركة.
تذكرت فجأة. تلك الليلة. حين بقيت حتى الثالثة فجراً أوقع عشرات الأوراق لإنقاذ صفقة المستثمرين. طارق كان متوتراً وقتها ويقكرر ثقي بي يا ليلى، مجرد إجراءات روتينية.
أغمضت عيني للحظة. شعرت بالغثيان.
دينا نهضت بعنف. لحظة! هذا ليس شأني! أنا زوجته! أي ديون تخصه هو!
التفت إليها كريم ببطء شديد. ولأول مرة ابتسم. بل تخصكِ أيضاً.
ارتبكت. ماذا؟
سحب ورقة أخرى ووضعها أمامها. زوجكِ نقل جميع الأصول باسمكِ



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.