” رامي حاول يتحرك من مكانه على الأرض، ورفع راسه بندالة وهو بيزعق: “خلاص بقى ياما! ارحمونا شوية! فضحتونا في البيت! ما كل واحد عمل غلطة ويصلحها!” “غلطة؟!” نطقت بها أستاذ عاصم المحامي وهو بيقف بوقفته الرسمية وبيعدل نظارته، وبص لرامي باحتقار أعمق: “الغلطة دي يا بشمهندس اسمها في القانون وفي الشرع خيانة أمانة وزنا، ولولا إن المدام إيمان طلبت مني الستر والحل السريع من غير قضايا فضايح في المحاكم، كنت زماني مطلع اسمك في جرنان المقطم ومرجحك على أصلك.
بس هيهات.. طلاق بائن، وتنازل عن كل شبر وكل مليم، والشقة دي وورق الشركة والتنازل عن عربيتك هيتكتبوا دلوقتي حالاً قدامي قبل ما دقيقة واحدة تعدي على الساعة 6:45 الصبح.” رامي اتنفض مرعوب، وبصلي بعيون مليانة توسل وانكسار، ودموع رجالة جبانة نزلت على خدوده وهو بيزحف على ركبه ناحيتي: “إيمان.
. عشان خاطري، عشان خاطر عشرة السنين، وعشان أيامنا الحلوة.. ما تعمليش فيا كده! هبوس إيدك! دي شطحة شيطان، ووالله العظيم البنت دي هي اللي أوقعتني، أنا بحبك إنتي!” نزلت بنظراتي له وأنا قاعدة على طرف الكنبة، ولا كأني باصة لبرغوث.
فكرت في كل ليلة كنت ساهرة بستناه، في كل دمعة نزلت وأنا مدارية كسرتي قدام أهلي وأصحابي، في كل مرة كذبت فيها على نفسي عشان أقول “بكرة يصلح حاله”. استغنيت.. وقلبي اتحجر خلاص. “أيامنا الحلوة؟!” قلتها بصوت هادي وبارد كالثلج.
“أيامنا الحلوة دي رامي مـ,ـاتت من زمان، وانت اللي قـ,ـتلتها بإيدك وإيد صاحبة عمري اللي واقفة قدامك دي. أستاذ عاصم.. خلص الأوراق، وخلي الهانم دي تلم هدومها اللي نسيتها جوه مع هدوم المحترم بتاعها، ويطلعوا برا بيتي قبل ما أنادي حرس البناية يرموهم في الشارع.
” ليلى كانت واقفة في جنب الصالة بتبكي بصوت عالي، بعد ما عرفت إن اللعبة انتهت وكل الكروت اتحرقت. بصت لرامي بنظرة كلها كره وقالت بصوت مكسور: “كل ده عشانك.. انت اللي ضيعتني وضيعت نفسك!” “اخرسي أنتي كمان يا زفتة، اتكلي على الله وامشي من قدامي!
” صرخ فيها رامي بغضب أعمى وهو بيقف على حيله وبيلم هدومه المكرمشة بغيظ. أستاذ عاصم طلع الورق والقلم، وحطه قدام رامي على الترابيزة وقال بلهجة قاطعة: “امضي هنا، وهنا، وهنا.. وخلصنا، عشان إيمان هانم وراها يوم طويل، ومش فاضية لمهزلة أكتر من كدة.
” رامي مسك القلم وإيديه بتترعش زي المرضى، وبصلي للمرة الأخيرة نظرة ندم مأساوية.. بس الندم ما بيعمرش بيوت اهدت. مضى على الورق، ورمى القلم في الأرض، وخد شنطته وجري برا الشقة، ووراه ليلى وهي منهارة وبتجرجر رجلها، والباب اتقفل وراهم بقوة.
الصالة سكنت تماماً، ومبقاش فيها غير صوت نفس الحاجة دلال وهي بتطبطب على كتفي وبتقول بدموع: “حقك عليا يا بنتي.. عوضك عند ربنا كبير.” بصيت للساعة.. كانت 6:50. فتحت باب المطبخ، وبصيت على القهوة اللي بردت من ساعات، بس حسيت لأول مرة من سنين إن الهوا اللي داخل في صدري نضيف، وخالي من أي كدب أو غش.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.